الشيخ محمد رشيد رضا
550
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الميم من المدّ وقريء في الشواذ يمادّونهم بصيغة المشاركة ، والمد يستعمل في القرآن في الخلق والتكوين كقوله تعالى ( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ * أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ * وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ) وفي مد الناس فيما يذم ويضر كقوله ( قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا * وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا * وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) وأما الامداد ففيما يحمد وينفع كقوله تعالى ( أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ * وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ ) ومنه امداد النبي ( ص ) والمؤمنين بالملائكة يتبتون قلوبهم في غزوة بدر ، وحملت قراءة نافع هنا على التهكم . والاقصار التقصير وأقصر عن الأمر تركه وكف عنه وهو قادر عليه والمعنى مع سابقه أن شأن المؤمنين المتقين إذا مسهم طائف من الشيطان لحملهم على محاكاة الجاهلين والخوض معهم وعلى غير ذلك من المعاصي والفساد تذكروا فأبصروا فحذروا وسلموا ، وان زلوا تابوا وأنابوا ، وأن اخوان الشياطين وهم الجاهلون غير المتقين يتمكن الشياطين من أهوائهم فيمدونهم في غيهم وفسادهم لأنهم لا يذكرون اللّه تعالي إذا شعروا في أنفسهم بالنزوع إلى الشر والباطل والفساد في الأرض ولا يستعيذون به سبحانه من نزغ الشيطان ومسه فيبصروا ويتقوا - إما لأنهم لا يؤمنون باللّه ، وإما لأنهم لا يؤمنون بأن للانسان شيطانا من الجن يوسوس اليه ويغريه بالشر - ثم لا يقصرون ولا يكفون عن اغوائهم وافسادهم ، فلذلك يصرون على الشرور والفساد لفقد الوازع النفسي والواعظ القلبي . وفي هذا التفسير عود الضمير إلى الشيطان بالجمع لأن المراد به الجنس لا الشخص كما تقدم وهو استعمال عربي معروف ومنه ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ) . وقيل إن الضمير يعود إلى الجاهلين ، أي واخوان أولئك الجاهلين من الانس وهم شياطينهم يمدونهم في غيهم وفسادهم ، فيكونون أعوانا لشياطين الجن في ذلك كما بيناه في تفسير الآية التي قبل هذه * * * ( 203 ) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها ! قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ